الشيخ داود الأنطاكي
109
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الطعام ليناً يطاوع فيتسع للجرم الكبير ويضيق للصغير ، وزاد في غريزية ما عدم الأسنان لتقوم مقامها كذوات الحوصلة . كل ذلك من دقائق الحكمة . وداخل اللهات لحم مستدير رخو يشكل الصوت ويعدل الهواء . إذا عرفت ذلك فاعلم : آن داخل الفم كما ذكرنا منفذان : أحدهما : مجرى الهواء ، وأوله رأس الحنجرة من ثلاثة غضاريف ، أحدها « لترسي » مستدير غير تام ، ويقابله غضروف ، يعرف بالذي لا سم له ، والثالث : يسمى « الطرحهالي » ينطبق عليهما عند الحاجة ، ويصير هذا الشكل كدائرة ناقصة ويغشيه غشاء أملس من داخله تقعير ، ويكمل الدائرة غشاء المريء . ثم يتألف هذا المجرى من غضاريف أعظمها واصلبها الأعلى تحت الذقن ثم تصغر وتلين تدريجا لأنها تستر بالقص فإذا جاوزت الترقوة صارت كالعروق وتتجزأ هناك أربعة وتنشب في لحم رخو متخلخل كالزبد إلى البياض اسفنجي ، وهذا هو الرئة خلقت للترويح على القلب بالهواء المستنشق من المجرى المذكور وفيها يمسك الهواء عند حبس النفس من نحو تأذ برائحة ؛ لأن القلب لا يمكنه سكونه فتقوم عنه بذلك وهي إلى الأيمن ليعتدل البدن ، وتحتها القلب وهو لحم احمر صنوبري الشكل إلى الصلابة قاعدته أعلى الصدر ورأسه ينتهي في الأيسر بنقطة . قالوا : يتوكأ على عضو غضروفي وله ثلاث بطون واحد في الأيمن تصله الأوردة كما عرفت وفيها الغذاء من الكبد ، وبطن أوسط ينضج فيه الأرواح ، والثالث في الأيسر تنبت منه الشرايين والأرواح إلى سائر البدن ، وقد غلف باغشية للحفظ والوقاية ؛ لأنه معدن الغريزية وموضع الأرواح ، فهذا تحرير الآلات النفس . واما المنفذ الثاني : ففيه أعضاء كثيرة ، أحدها المريء ، وهو أول عضو يفضي إليه الطعام والشراب من الفم وهو من غشاء لحمي لما عرفت قد انخرط آخره في فم المعدة بتركيب محكم يربط الغشاء وله قوة جاذبة